محمد الحفناوي

105

تعريف الخلف برجال السلف

القبول ، فلا تكاد تجد من يستثقله ، وربما سئل عن نفسه فيقول : وليّ مفسود . قلت له يوما : كيف أنت ؟ فقال : محبوس في الروح ، وقال : الليل والنهار حرسيان أحدهما أسود والآخر أبيض ، وقد أخذا بمجامع الخلق يجرّانهم إلى القيامة ، وإن مردّنا إلى اللّه تعالى . وسمعته يقول : المؤذنون يدعون أولياء اللّه إلى بيته لعبادته ، فلا يصدّهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين ، ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبيّن لهم ، فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم . ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكرا ، فقلت له : كيف أنت ؟ فقال : ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) « 1 » فهممت بالانصراف ، فقال : أين تذهب من روضة من رياض الجنة ، يقام بها على رأسك بهذا التاج ، وأشار إلى المنار مملوءا اللّه أكبر . مرّ ابن شاطر يوما على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب ، وهو جالس في جامع الجزيرة ، طهره اللّه تعالى ، وقد ذهب به الكفرة فصاح به ، فلما رفع رأسه إليه قال له : انظر إلى مركب عزرائيل ، وأشار إلى نعش هنالك قد رفع شراعه ، ونودي عليه الطلوع يا غزي . وأكل يوما مع أبي القاسم عبد اللّه بن رضوان الكاتب جلجلانا فقال له أبو القاسم : إن في هذا الجلجلان لضربا من طعم اللوز ، فقال ابن شاطر : وهل الجلجلان إلا لوزة دقت ؟ وسئل عن العلّة في نضارة الحداثة فقال : قرب عهدها باللّه ، فقيل له : فمم تغير الشيوخ ؟ فقال : من بعد العهد من اللّه ، وطول الصحبة مع الشياطين ، فقيل له : فبخر أفواههم ؟ فقال : من كثرة ما تفل الشياطين فيها . وكان يسمّي الصغير فار المصطكي . قال لي ابن شاطر : لقيت عمي ميمونا المعروف بدبير لقرب موته ، وقد اصفرّ وجهه ، وتغيرت حالته ، فقلت له : ما بالك ؟ وكان قد خدم الصالحين ، ورزق بذلك القبول ، فقال : انسدّت الزربطانة فطلع ، يعني العذرة يشير

--> ( 1 ) سورة الروم : الآية 15 .